رماديات ما بعد الحريق .....أرض الأمال العظيمة والأحلام المتوهجة
رجلٌ وعصفورٌ وجدار
========
كان يعلم أن الجدار لن يثنيه عن عزمه الشغوف نحو الوصول للجانب الآخر حيث أرض رحيبة لم يراها ....كان طفلاًً غير واع حين حملوه ذات صباح الي تلك الغرفة التي لا تفتح سوي بنافذة صغيرة نحو حجرة أخري ذات جدران رمادية ألا الجدار المواجه لفتحة النافذة....كان أزرق
**********
فقد ظل طيلة سنوات المنفي يستيقظ ليجمع الفراشات الملونة التي لم يكن يعلم كيف تُخلق ألوانها في غرفة كهذه...كان يتحدث الي غزلان التلال البعيدة ويهمس الي اقحوانته الخريفية الذابلة
**********
ذات صباح أنتفض من نومه الغير هاديء بغير مبرر...نظر حوله في اركان الغرفة فلم يجد شيئاً قد حل جديداً بغرفته التي عاشرها سنوات مديدة لم يحصها عدداً ولكنها كانت كافية لتصبغ رأسه ببعض الشعيرات البيض...لم يجد شيئاً سوي قفص العصفور مفتوح بابه وملقي تحت النافذة
وفي ذات صباح ليس بأقل غرابة من صباحه هذاأستيقظ ليجد من يرف بجناحين مبللين علي وسادته فقام مفزوعاً ليذهب عن هذا المسكين رطوبته وليصنع له قفصاً ....لم يك يدري لم صنع له القفص؟؟.....فالغرفة ليس لها منفذ علي الخارج وحتي النافذة لا تودي سوي لغرفة أخري....أحس انه يفعل ما عليه فعله
**********
لم يكن للعصفور أثراً في غرفته فنظر للنافذة وتحتها القفص الملقي بأهمال...فكر بأن عصفوره قد يكون في الغرفة الأخري فعبر من خلال النافذة ليجد طائره الصغير ينقر في الجدار الأزرق بأصرار, فأقترب منه ليحمله برفق مغمغماً :ماذا تفعل ؟؟....لعلك تريد أن تخترق الجدار بمنقارك الغض....ينظر له العصفور كأنه علي وشك أن ينطق ليقول شيئاً ولكنه لا يملك المنطق لقوله
**********
في ذات الليلة أنتابه سيلاً من الأحلام لبلدان من غرابة....بلدان تسبح فيها الطيور وتطير القوارب ذات الأشرعة البرتقالية....بلدان بعيدة كان يسكنها الأطفال ذوي الرؤوس التي خطها الشيب ولم تهرم....يسكنها أطفال يجلسون علي ضفاف النهر ليرسموا ما شاءوا علي صفحة السماء....هم من صنعوا قوس قزح وجعلوا للسماء ثوراً ودلواً وأسداً وعذراء
كان يراقبهم في احلامه من مكان عليُ....ولكنه فجأة وجد نفسه يجلس بداخل قارب شراعي تحمله الريح وأحد الأطفال يحاول ان يثبت الشراع ويطوع الريح...نظر صاحبنا من حافة القارب للأسفل فوجد حبلاً ممتداً من القارب الذي يحمله الهواء لطفل مصنوع من فرح....كان يجري بمحاذاة النهر
***********
يتذكر صاحبنا الذي صار عجوزاً ولم تمنعه أحلامه الطفولية من عبث الزمن به, كيف كانت أحلامه الكثيرة في لياليه الوحيدة هي محركه نحو الحفر في الحائط الأزرق وذلك بعدما حاول عصفوره الواهن من قبله...... عصفوره الذي وجده ذات صباح آخر ميتاً بجانب الجدار الأزرق في ليلة حاول فيها العصفور النقر حتي أنقطم منقاره و سالت دماءه حتي خضبت زرقة الحائط الداكنة
***********
كان يعلم أن الجدار لن يثنيه عن عزمه الشغوف نحو الوصول للجانب الآخر حيث أرض رحيبة لم يراها....سوي في أحلامه
***********
سنوات مرت في الحفر....كان جداراً عميقاً صلباً
***********
نشأت بينه وبين نفس الحائط صداقة وطيدة خلال تلك السنوات كان كلاهما يهمس للآخر ....فبينما أفصح الحائط انه لم يختر زرقته ولم يختار أن تصبح عيناه لداخل الغرفة الضيقة أم لخارج الغرفة حيث التل الذي يطل علي أرض الأمال العظيمة والأحلام المتوهجة....فالجدار مثله مثل صاحبنا محبوس بداخل ضيق الحيز وان كان جزء منه......تعلم صاحبنا كثير من منطق الحائط فقد كان أحياناً يشعر بأنينه ألماً
من شدة الحفر فيه فكان يتركه كثيراً من الوقت ليستعيد عافيته
قال له الحائط يوماً : أعلم اني الي زوال وقبل زوالي لن أشاهد أرض الأمال العظيمة والأحلام المتوهجة فهي تمكث خلفي بل وأمنعك عن الوصول اليها.....حفرك من خلالي يقتلي رويداً رويداً ولكنه من حيث يقتلني يحييني حين يحييك
قلت له يوماً بعدما اعياني الحفر خلاله فأرتكنت عليه في وهن :أشعر بأن ليس لك نهاية واني سأحفر الي الأبد
شعر بزمجرة الجدار من خلفه قائلاً : لم أختار زرقتي ....لم أختار ما أراه....ولكنني أعلم ان لي نهاية وان خلفي ما رأيته في احلامك...خلفي مدينة الأمل والحلم
************
خيم الصمت بين الصديقيين وطال ساعات طويلة...لم يتوقف خلالها عن الحفر
كان يعلم ان الحائط علي وشك الموت وهو يؤكد ذلك حيناً بعد حيناً
كان يحفر وهو يبكي الحائط ..فلكم تمني ان يأخذ أعين الحائط معه ليروا سوياً ما عملوا عليه لسنون عدة.... شيبتهما معاً ,ولكن هيهات
حتي أنين الحائط المعتاد لم يعد يصدر منه ....حينها سأل صاحبنا نفسه : أتكون تلك هي النهاية ؟؟ ,جلس مرتكناً علي الحائط الذي صُنعت به فجوة ضخمة طويلة كممر خلال جبل صخري....غفا قليلاً عند نهاية الممر ولم يوقظه سوي بعض الأتربة التي سقطت عليه فنظرعالياً ليجد فجوة صغيرة ينبعث منها النور .فأنتفض قائماً ماسكاً فأسه الصلبة وانهال علي الحائط بضربات مجنونة وأخذت الفتحة تتسع رويداً رويداً ليغرق النور الممر وليري السماء التي لم يراها منذ ان كان طفلاً
يخرج بجسده العجوز العاري من خلال الفتحة مغمضاً عينيه من شدة النور الذي لم يعتاده ...ترتسم أمامه معالم طريق ممهد خلال التل الذي يطل علي النهر الأزلي الذي حلم به من قبل..........الأوز يطفو علي صفحة النهر وبعض الشياه هائمة علي ضفافه الخضراء الصافية...
أطفال كزهر التفاح يرتدون ملابس زاهية ..بعضهم يرتاد قوارب سارحة تحملها الريح بين التلال البعيدة....ثمة موسيقا تتمايل مع موجات النهر الهادئة
يشعر بقوته تخور فيلقي بجسده علي التل متأملاً السماء التي داعبت أحلامه كثيراً وها هو يراها عين اليقين .....ولكنه كان يشعرليس كما يشعر....يشعر بالحشائش التي تحت رأسه كوسادة تحمله برفق.....كان راضياً
************
كلما كنت أقترب من خيالاتي البعيدة ....كان أقترابي بطيئاً مخافة أن أفزعها فتهرب كسرب طيور يفر من رأسي
وبرغم هذا البطيء كانت تهرب في كل مرة تاركاً معي رماداً من حروف اللامعني
=======================