Saturday, December 31, 2016

العهد الآتي

(علي هامش الحدث الثوري)




يمكن فهم عبارة: " لا وجود لعلاقة جنسية " بعدة طرق مرتبطة ببعضها البعض، و لكن ما يهمنا في هذا المقام هو الأقتراب من فهم أن الجميع يسعي للفالوس 
phallus
 penis و أن الفالوس هنا ليس هو القضيب
 لكنه هو "الدال" الذي يؤدي ظهوره للتحقق و إكتمال "المعني" المنشود. يسعي له الطرفان في الجنس، المرأة تسعي للفالوس و الرجل إيضا. و يصح هذا ايضا علي العلاقات المثلية. هذا الدال الذي يملؤنا بمعني للحياة هو عابر و سريع الزوال. نشعر به كلما اقتربنا بشدة من "الواقع" عن طريق الجنس أو عن طريق اللغوي/الرمزي و لكن ما أن يتماس الرمزي مع الواقعي سرعان ما يهرب الواقعي، يتلاشي, و يتبخر معه المعني. لنسعي نحوه من جديد صعودا و هبوط
الجسد هو الواقعي، مستحيل الوصول إليه. هو من الاشياء الذي تحاول كل العلاقات الرمزية الوصول له دون جدوي. الكلمات تحن للاشياء، هذا صحيح. لكنها ابدا لا تصل لها، علي الأقل من خلال إنسانيتنا و تسوياتها البرجوازية المثالية الحالية
يسعي الجميع اذن للدال، الفالوس، و من اسمه فهو دليل، هادي للفرد و من ثم الجموع في عماء الواقع. هو بلفظة اخري المعني الاخير لسعي ما. فلا سعي بلا معني في نهايته. هكذا علمتنا إنسانيتنا المتأخرة

ما فعله الحدث الثوري انه ابرز الفروق في خيال الشعب الناطق بالرمزي/اللغة المصرية بتنويعاتها الطبقية. منهم من يسعي لفالوس/ معني /دليل الاخوان و اخرون لدليل الدولة القديمة و ممثله السيسي و أقلية ليبرالية يسارية سعت لدال تمثله شخصيات مثل صباحي و البرادعي و غيرهممثلما أتي برجوازيو فرنسا بنابليون كممثل للفالوس و المعني الرمزي لوجودهم

 الخيالي هو موقع تشابك الرمزي/ اللغوي مع الواقعي

ماكس أرنست فيما يبدو رسم فرنسا البرجوازية و أثمالها الباقية و هي تعزف لحن ما لأستدعاء نابليون و بينهما ينتصب رمز الفالوس الذي يسعي له كل منهما, نابليون و فرنسا البرجوازية. لذا ربما يلمس البعض تشابه غير واضح (خارج الرمزي!) بين ثورة يناير و الثورة الفرنسية, ربما يكمن في الطبيعة البرجوازية الخاصة للشعبين و أجهاضهم للثورات. كما كان منتشر في أنحاء أوروبا قبل الثورة الفرنسية أنطباعات عن خنوع الشعب الفرنسي للأستبداد و هذا أيضا يتشابه مع الأنطباع حول الشعب المصري قبل و حتي بعد يناير عندما نصبت الثورة المضادةالبرجوازية المرتعدة نابليونها و تبعهم في ذلك ملايين المصريين ذوي الثقافة البرجوازية المرتعدة ذاتها و أنضم لهم جماهير من الشعبيين الفقراء بالمدن الكبري خوفا أيضا من عنف الأسلاميين في تظاهراتهم قبل و عقب الأنقلاب و برز السؤال القديم: أين الجيش؟ 

Napoleon in the Wilderness, 1941 - by Max Ernst 



الحدث الثوري هو "الواقعي" المحض. خارج طبقات المجتمع، إذ لا طبقات إجتماعية إلا من خلال "الأنساني" الرمزي و الخيالي. و ظهور الحدث الثوري الواقعي المربك خارج الرمزي و الخيالي كان أمرا حتميا. و دوريا، الثورة هي الواقع الناطق ببديهة الوحدة الأجتماعية و الطبيعية. مصير الأنسانية أن تكون مثل نهر واحد يجري أو جسد واحد و إن أختلفت وظائف أعضاءه. يعيد الحدث الثوري التشكل الأجتماعي داخل الخيالي و الرمزي أقترابا من ذلك الواقعي البعيد. الغير قابل للترميز الخيالي. فالقديم الذي يموت هو ابن الرمزي و الخيالي و الجديد الذي يولد هو أيضا ابن الرمزي و الخيالي. أما الواقعي فهو الحدث الثوري. البركان الغير قابل للمساءلة بينما يساءل الجميع عن موقعهم الجديد من مُسلمَة الوحدة الأجتماعية. الحدث الثوري هو "المجنون" الذي بحسب لاكان ؛ ".. يدعي كونه شخص آخر.." . لا يعرف و لا يعترف بوجوده المفروض و المصنوع داخل الرمزي بل يشطح بالخيالي و الرمزي لخارج حدود الفهم. يقول كافكا علي لسان "ك" في روايته القصر و التي تدور أحداثها في أجواء الإقطاع ؛ "أنا لا أنتمي لهولاء العوام و لكني أيضا لا أنتمي للقصر". "ك" برجوازي، من تلك النوعية التي يمكن أن تحرك الحقد الطبقي و تشعل الثورة التي ستنقل أوربا من الإقطاع للرأسمالية. قاد هؤلاء البرجوازيون من خلال توهان ذواتهم بين الطبقات الجنون الثوري للشعب، يخرق كل الأعراف، يحرق كل شيء، من أجل "واقع" الوحدة الطبقية و هي مرة أخري، أمر بديهي ينتمي للواقعي، لذا هي في ذات الوقت مستحيلة لأن الوصول لها لا يمكن أن يوجد بعد الثورة إلا عبر النظام الخيالي و الرمزي البرجوازي الحالي المسيطر ذو الفهم  القاصر و المحافظ و الذي سيتوسع فيما بعد أمتلاك "السلطة" في مراكمة التسليح و توسيع السجون من أجل كبت هذا الواقعي الشعبي الغير قابل للإستيعاب من خلال خياله  البرجوازي,مستخدماً في مهمته تلك بعض الجماهير المرتعدة من هول الواقعي الغير مفهوم و الذي أنفجر فجأة



 أنتشار الحدث الثوري في الأقليم المسلم العربي أشار للرابط الوجودي اللغوي و الديني للأقليم. و أنتشاره عالميا خارج الأقليم أشار للرابط الوجودي العالمي الذي يتشكل ببطء


بدأ الانفجار في تونس و بدأت صورته في التشكل في ميدان التحرير خاصة يوم الجمل، و أتضحت أهم معالمه داخل الرمزي/اللغة خلال عام الاخوان انتهاءا بعزل مرسي. صورة الحدث من خلال الشعب المنقسم لجماهير من الأنصار المجتمعين حول دال/فالوس ما. في الشارع و علي شبكات التواصل الرمزي. لو حاولنا مثلا التماس ماضي لهذا التشكل يمكننا سماع خطاب البرجوازي و هو يثبت اركان الحكم آنذاك و يشدو: " صورة.. كلنا كده عايزين صورة.. صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة..". و لأن الانقسام الشعبي لم يظهر للوجود الا من خلال و بداخل خطاب الخيالي عبر الرمزي فكل جمهور في فلكه الرمزي المتخيل يمثل الشعب المنصور. أذكر إني سمعت تلك الأغنية في التحرير في كل المليونيات و رأيت خلالها لمعة عيون و روح الثوار في مليونياتهم و مثلهم الإسلاميين في جمعة قندهار و أيضا الفلول في ما بعد ٣٠ يونيو
هذا الخطاب الداعي أنصار ممثل فالوس/ دال ما للتجمهر حوله نجده لاحقا يتلبس السيسي في دعوته للنزول للتفويض. إذن حتي الثورة المضادة لا تجد خطابا لها خارج خطاب الحدث الثوري. و فيما بعد، في خطاب اردوجان عقب الانقلاب و الذي دعا فيه أنصاره للنزول لرد الأنقلاب. وصولا لترامب الذي هدد بأنصاره للنزول لو تم تزوير الأنتخابات و خسر سباق الرئاسة ما يذكرنا بسباق شفيق- مرسي و تهديدات الأخوان بنزول الشعب لو فاز شفيق بالتزوير. و سيتكرر بالتأكيد هذا الخطاب الأنقسامي لاحقا بشكل متكرر في شتي أنحاء العالم الذي تسرب داخل نسيج خطاباته السياسية و الاجتماعية خطاب الحدث الثوري و أربك نظامه الرمزي و الخيالي و أظهر فيما أظهره أن العلاقة بين الشعب و ممثليه من اجل تحقيق معني إرادة الشعب هي مثل العلاقة بين الواقعي و الرمزي، علاقة مستحيلة. الواقعي الشعبي خارج الخيالي و الرمزي البرجوازي. دائما كلما اقترب الكلام من لمس الواقع أنفلت الواقع. مثلما يحاول العلم و الفلسفة و التحليل النفسي الاقتراب من الواقع عن طريق الكلمات و ينفلت منه الواقع دوما، تحاول الديموقراطية التمثيلية ايضا الاقتراب من واقع الوجود الشعبي الذي ينفلت منها دوما. لهذا فالديمقراطية كمفهوم مجرد "حكم الشعب" هي مثل مفهوم "الشعب" ذاته، تنتمي لهذا الواقعي المستحيل. وجودها بداهة و تحقيقها الرمزي عبر الخيالي مستحيل. ربما كما اوضحت سابقا تحت مظلة العقلانية الأنسانية البرجوازية الراهنة
لا وصول لدال تمثيلي ديموقراطي. لا وصول لمعني و تحقق لجمهور ما و ممثل لهم. إلا بشكل عابر مؤقت مثل الأورجازم في الجنس. و ربما قليلا بعدها. يظهر فيما بعد العجز عن ترجمة الوجود الواقعي للشعب حتما، الهوة دائما موجودة، و عميقة، تلك الهوة هي الواقع/ي ذاته. و ربما أيضا العجز عن تمثيل الوجود الرمزي لجمهوره  الذي منحه السلطة
لا يغيب عن الذهن العلاقة التاريخية بين نشوء الديموقراطية التمثيلية و رأس المال العالمي. الديموقراطية المباشرة يبدو لن تنشأ إلا بالتوازي مع نظام جديد للاقتصاد العالمي يفرض شيوع ادوات الانتاج جنبا لجنب مع شيوع السلطة و شيوع المعرفة
ما سيفتح الطريق للمفكرين المستقبليين ذوي النزعات اللاسلطوية لتجديد افكار الديموقراطية المباشرة. تربة الخيالي مهيئة لزراعة و نمو هذه الأفكار عبر الرمزي/ اللغوي
و لو كان الواقع مستحيل الوصول له بسبب الحاجز الرمزي فهل يمكن عبر الخيالي أن يطرأ تغيير فارق في بنية الرمزي/ اللغوي مع الحركة الفكرية القادمة المصاحبة للحدث الثوري الوليد؟ هل يكون هذا أمتداد لتمهيد هايدجر عبر الرجوع للاعقلانية بصفتها الأصل الواقعي و الطبيعي؟ هل اللاعقلانية هي مكافئة للجنون كالمشار له في حركة الواقع الثوري؟


في الفيديوهات التالية توسيع لفهم عبارة فرويد " لا وجود لعلاقة جنسية" و بعض أشارات هايدجر حول مهمة اللغة و التفكير الجديد




1 comment:

علان العلانى said...

في ماقبل الحوار عن الحدث والتأويل

بداية عوداً حميداً للتدوين وتحية وتقدير للتصدى الشجاع لمحاولة فك طلاسم حدث مازال يحدث وينتج هوامشه وهو مازال طفلا في عامه السابع لم يبلغ صباه بعد ، رغم بداهة الإدراك أن فهم النص الذي كتبه الشعب بثورته لا يعنى فك شفرته ولكن ستتراكم التأويلات لتوسل إدراكه وإذا كان المعنى فى النص كما فى الحلم مجرد تفسير فالقراءة نوع من الأستنساخ معقد ومحير ومذهل يحدث بصورة متشابهة عند جميع الناس

تناص

إن ما تنوي جميع هذه (المجازات) في الواقع قوله هو أن المبهم مبهم ، وهذا ما عرفناه. إلا أن المشاكل التي نصارعها كل يوم هي أشياء أخرى.
حول هذا الموضوع سأل أحدهم :"لماذا هذا العناد؟ إذا قمتم بملاحقة المجازات ستصبحون أنتم أنفسكم مجازات، وتحلون بهذه الطريقة جميع مشاكلكم اليومية
قال آخر : أراهن على أن هذا أيضا مجاز
قال الأول : لقد ربحت
قال الثانى : لكن للأسف مجازياً فقط
قال الأول : كلا ،في الحياة الواقعية ؛أما مجازيا فقد خسرت
كتب هذا النص فرانتس كافكا عام 1922في براغ،قبل وفاته بعامين
فكل نص يمكن قراءته كنص مجازى لأن كل تفسير هو مجازي بحد ذاته ، وبالتالى موضوع تفسيرات أخرى كان الناقد الأدبى باول دو مان يعتبر أن "الحكاية المجازية تروى حكاية فشل التفسير ولكن ما كان يعتبره فشلا فوضويا هو في حد ذاته الدليل على حريتنا كقراء . نظرا إلى أن التفسير لا يحتوي على ما يمكن أن يسمى الكلمة الأخيرة لاتوجد أى سلطة تستطيع أن تفرض علينا التفسير الصحيح نعم هناك بعض التفسيرات أعمق أوضح من تفسيرات أخرى – أكثرحبكة ،أكثر صفاء وشفافية،أكثر تحدياً أكثر بعثاً على الحبور أكثر إزعاجاً .غير أن
"الإحساس"بالحرية الذي اكتشفناه لم يفارق موضعه كوشم تحت جلودنا لا يبلى ولا يلحقه الغبار